JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

دليل القانون — بوابتك لفهم القانون المغربي ببساطة ووضوح. ملخصات ودراسات قانونية شاملة في قانون الشغل، القانون المدني والمسطرة المدنية، القانون الجنائي، القانون العقاري ومدونة الأسرة، موجهة للطلبة، المترشحين للمباريات، والباحثين عن معلومة قانونية موثوقة.
Home

المسؤولية المدنية والتأديبية للمحامي

 

   
تقديم:

  تعد مهنة المحاماة من أعرق المهن القانونية وأكثرها التصاقا بالعدالة، إذ يضطلع المحامي بدور محوري في تحقيق التوازن بين مصالح المتقاضين وضمان حسن سير العدالة، باعتباره شريكا أساسيا للقضاء لا مجرد وكيل عن الخصوم. غير أن هذا الدور الجليل الذي يقوم به المحامي، والمتسم بقدر كبير من الاستقلالية والحرية في الأداء، لا يعني إفلاته من كل مساءلة، بل يقتضي في المقابل خضوعه لمنظومة من الالتزامات القانونية والأخلاقية التي يترتب عن الإخلال بها قيام مسؤوليته.

       وتتخذ هذه المسؤولية صورتين متكاملتين: مسؤولية مدنية تقوم كلما ألحق المحامي ضرراً بموكله أو بالغير نتيجة إخلاله بالتزاماته المهنية، سواء تعلق الأمر بواجب النصح والإرشاد أو بذل العناية اللازمة أو المحافظة على الآجال والإجراءات؛ ومسؤولية تأديبية تنبني على مخالفة المحامي لقواعد وأعراف المهنة وواجباتها المنصوص عليها في القوانين المنظمة لها وفي مواثيق الشرف والسلوك المهني، والتي تتولى هيئة المحامين والنقابة المهنية السهر على احترامها ومتابعة الإخلال بها.

    وتكمن أهمية دراسة هذا الموضوع من الناحية النظرية في كونه يطرح إشكالات فقهية دقيقة تتعلق بتكييف طبيعة الالتزام الملقى على عاتق المحامي، وموقع هذه المسؤولية ضمن النظرية العامة للمسؤولية المدنية، فضلا عن استقلالية النظام التأديبي المهني عن باقي الأنظمة الرقابية. أما من الناحية العملية، فتتجلى أهميته في ضرورة توفير حماية فعلية لحقوق المتقاضين من جهة، وضمان انضباط المهنة وصون كرامتها ومصداقيتها من جهة أخرى، بما يعزز الثقة في المؤسسة القضائية ككل.

وانطلاقا مما سبق، تتبلور الإشكالية المحورية لهذا الموضوع في التساؤل التالي:

إلى أي حد استطاع المشرّع التوفيق بين حماية استقلالية المحامي في ممارسة مهنته وضمان مساءلته الفعلية مدنيا وتأديبيا عند إخلاله بواجباته المهنية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية جملة من التساؤلات الفرعية، أبرزها:

ما طبيعة الالتزام الملقى على عاتق المحامي، وهل هو التزام ببذل عناية أم بتحقيق نتيجة؟

ما هي أركان وشروط قيام المسؤولية المدنية للمحامي؟

ما هي صور الأخطاء المهنية التي تُشكل مخالفات تأديبية، وما مدى الدقة في تحديدها؟

ما مدى إمكانية الجمع بين المتابعة المدنية والمتابعة التأديبية عن الفعل الواحد؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية والتساؤلات المتفرعة عنها، سنعتمد المنهج التحليلي والمقارن في آن واحد، من خلال تحليل النصوص القانونية المنظمة للمهنة والاجتهادات القضائية ذات الصلة، وذلك وفق التقسيم التالي:

الفقرة الأولى: المسؤولية المدنية للمحامي

الفقرة الثانية: المسؤولية التأديبية للمحامي

 

 

 

الفقرة الأولى: المسؤولية المدنية للمحامي

تعد قواعد المسؤولية وتكييف طبيعتها؛ وبيان أساسها من الركائز الأساسية في النظام القانوني، وهي تحتل مركز الصدارة في الحياة العملية، لذا فإنها محل اهتمام الفقه والقضاء في المجتمع المعاصر؛ ليس في القانون المدني فحسب بل في مختلف فروع القانون.

كما أن تكييف طبيعة المسئولية يختلف باختلاف المصدر الذي ينشأ التزام المسؤول، فإذا كان مصدر الالتزام هو العقد؛ فإن المسئولية تكون عقدية؛ وإذا كان مصدر الالتزام غير عقدي كانت المسئولية تقصيرية.

وعلى هذا الأساس فإننا سنتناول في هذا المطلب الحديث عن المسؤولية المدنية العقدية للمحامي (أولا)، ثم بعد ذلك سوف نتناول المسؤولية المدنية التقصيرية للمحامي(ثانيا).

أولا: المسؤولية المدنية العقدية للمحامي

كما هو معلوم فإن طبيعة المسؤولية تختلف بحسب الالتزام المخل به سواء كان هذا الالتزام ذا طبيعة عقدية أو كان الإخلال بالتزام قانوني عام، وكما هو معلوم فإن الفقه قد اختلف في هذا الإطار فهناك من اعتبرها ذات طبيعة عقدية وآخرون اعتبروها ذات طبيعة شخصية بالنسبة للرأي الذي يعتبر مسؤولية المحامي مسؤولية عقدية، أقر بأن هناك عقد يربط بين المحامي وموكله انها مسؤولية تعاقدية، نظرا لوجود عقد بين المحامي وموكله ، وهو عقد توكيل خاص ويخضع هذا العقد للقواعد العامة المتعلقة بالوكالة في القانون، وهذا الاتجاه هو السائد في فرنسا ومصر وكذا القانون الإنجليزي والأمريكي.

والسؤال الممكن طرحه في هذا الصدد ما طبيعة العلاقة التي تربط بين المحامي وموكله؟ وبعبارة أخرى ما هي طبيعة العقد الرابط بين المحامي وموكله؟

وبالرجوع إلى القانون المغربي نجد بأن المشرع المغربي كان يدرس مفهوم طبيعة العلاقة بين المحامي والزبون في ظهير [1]1993، المنظم لمهنة المحاماة باستعماله لمصطلح الموكل في معظم مواده، وهو نفس المقتضى الذي نلاحظه في القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة كما تم تعديله وكذلك في كل من المادة 30 والمادة 40 و41 وغيرها من المواد السالفة الذكر.

أما القضاء المغربي فقد اعتبر العلاقة بين المحامي وموكله عقدية أساسها عقد الوكالة حيث جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بمراكش ما يلي: "إن المحامي وإن كان غير ملزم بالإدلاء بالوكالة طبق مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل الخامس من قانون المحاماة فإنه وفي حالة قيام الخصومة بينه وبين من يدعي التوكيل عنه يبقى على عاتقه إثبات هذا التوكيل وإلا لما بقي فائدة في كل من أراد الاتصال بالمحامي للاتفاق معه على عناصر الوكالة. "[2]

وعموما يقصد بالوكالة حلول إرادة الوكيل محل إرادة الأصيل في إنشاء تصرف قانوني، تنسحب آثاره إلى شخص الأصيل أو الموكل لا الى الوكيل[3].

وعموما يخضع المحامي للمسئولية المدنية عند ارتكابه لخطأ أثناء مزاولة مهنته في إطار العقد الذي يربطه بموكله. وخطأ المحامي المهني هو الخطأ الذي يصدر عن المحامي أثناء مزاولته لمهنته ويترتب عليه مخالفة القوانين والأنظمة أو الجهل بها، وكل خرق لواجبات وآداب المهنة وتقاليدها وقواعد السلوك الملزمة، أو الإخلال بالمروءة والشرف والاستقامة والنزاهة، لحق بالعميل منه ضرر مادي أو معنوي.

كما أن طبيعة هذه المسؤولية هي عقدية لأنه عندما يفتح المحامي مكتبه في وجه موكله أو في وجه زبنائه فهنا نكون أمام تطابق بين الإيجاب والقبول كما يمكن اعتبار العقود التي يبرمها المحامي ذات طبيعة خاصة، حيث يبقى المحامي مسؤول في كل حالة يتضح فيها أنه أخل بشرط تعاقدي بموجب العقد الرابط بينهما.

وتجدر الاشارة الى انه حتى اختلاف تسمية نوع العقد الرابط بين كل من المحامي والموكل أو الزبون لا يعدو أن يكون خارج عن إطار تعاقدي بين كل من الطرفين سواء باشر المحامي تصرف قانوني أو أعمال مادية، وأساس كل التزام هو بذل العناية اللازمة وليس تحقيق النتيجة وهو ما نستنبطه من قراءة المادة [4]47 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، وأيضا نستخلص أن القواعد والمبادئ العامة، لاستشارة المسؤولية العقدية هي التي تطبق.

 وبالنسبة للعمل القضائي في دعوى المسؤولية المدنية، وكما سبقت الإشارة فإن المحامي عندما يقوم بارتكاب أي خطأ مهني تترتب عليه مسؤولية، فإنه يكون ملزما بالتعويض.

ومن أجل اقتضاء هذه المسؤولية يجب أولا رفع دعوى أمام القضاء من أجل تحديد طبيعة هذه المسؤولية، سواء كانت هذه المسؤولية عقدية تخضع لأحكام الفصل 230 من ق.ل. ع، أو تقصيرية تخضع لأحكام الفصل 77 وما يليه من ق.ل. ع، فتكون هذه الالتزامات هي مناط دعوى المتضرر من المحامي.

أما بالنسبة لأطراف هذه الدعوى نجد كل من المدعي والمدعى عليه ففيما يتعلق بالمدعي فهو الزبون أو الشخص المتضرر، اما المدعى عليه فهو المحامي الذي يعد مسؤول عن أخطائه الشخصية، كما تجدر الاشارة الى ان المدعى عليه قد يكون شركة مهنية للمحاماة حسب المادة 28 من قانون المنظم لمهنة المحاماة.

أما بالنسبة لتقادم هذه الدعوى وبالنظر لعدم تضمين القانون 28.08 لهذه المدة نجد أن الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود أقر بأنها تتقادم المسؤولية العقدية بصفة عامة بمرور 15 سنة.

ثانيا: المسؤولية المدنية التقصيرية للمحامي

أما بخصوص الاتجاه الثاني من الفقه، يرى أن مسؤولية المحامي تقصيرية، مبررين أن العقد الرابط بين الطرفين - أي المحامي والموكل - يكتسي صبغة النظام العام، لان الالتزامات الناجمة عن هذا العقد ليست نابعة فقط عن توافق إرادتين، بل إنها مستمدة أيضا من القوانين الجاري بها العمل العقد والقانون.

وعلى العموم، فإن المبادئ العامة في إطار وجود علاقة تعاقدية نكون أمام مسؤولية عقدية وفي حالة غياب هذه العلاقة التعاقدية فيمكن إثارة هذه المسؤولية على أساس الإخلال القانوني أو المسؤولية التقصيرية ، وعليه ففي حالة غياب عقد بين المحامي والموكل، فإن المسؤولية التي تترتب عليه في هذه الحالة هي مسؤولية تقصيرية أساسها عدم احترام المحامي نص القانون، وعدم احترام الواجب المهني المتمثل في بدل العناية الكاملة و المتماشية مع القانون و الأخلاقيات و هذا ما يبرر بالجانب الأدبي والاخلاقي الذي لا يمكن أن يكون محلا للعقد.

وعموما فالمسؤولية التقصيرية في هذا الصدد تخضع لأحكام الفصول من 77 إلى 106 من. ق.ل. ع.

وبالرجوع إلى الفصل 77 نجده ينص على أن:" كل فعل ارتكبه الإنسان عن بيئة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، الزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر. وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر"[5]

ويظهر من خلال قراءة هذا الفصل أنه يتعلق بتنظيم العلاقة المتباعدة بين طرفين لا تجمع بينهما أي علاقة أخرى سوى العمل الغير مشروع، وهو ما يستبعد العلاقة التعاقدية. لكن هذا الأمر هو الآخر كان محل خلاف بين الفقهاء

لكن بالرجوع إلى المشرع المغربي في هذا الإطار نجد بأنه قرر مبدأ قيام المسؤولية التقصيرية على أساس فكرة الخطأ وفق القواعد العامة فكل خطأ أدى إلى إحداث ضرر للغير، فإن المتسبب في هذا الضرر يستوجب عليه تعويض المتضرر لجبر الضرر وأساس ذلك هو شمولية المصطلح الوارد في الفصل 77 من ق.ل.ع. المشار إليه أعلاه "كل فعل ارتكبه الإنسان" وهو ما يمكن تمديده إلى كل من أحدث ضررا بالغير حتى ولو كان محاميا، بالإضافة إلى ذلك فإن نفس الفصل يحدد المسؤولية في إطار الضرر سواء كان ماديا أو معنويا.

وكملاحظة؛ فإنه هناك اتجاه ثالث، يرى أن مسؤولية المحامي في الواقع مسؤولية مزدوجة، تكون تارة عقدية وتارة أخرى تقصيرية، فالجانب التقصيري للمحامي يقوم على أساس عدم احترام هذا الأخير لواجب قانوني يتمثل في بذل العناية الكافية والمتماشية مع القانون وأخلاقيات المهنة، الجانب العقدي هو الإخلال بالتزام العقد الرابط بين المحامي وموكله.

ومهما يكن من أمر، فإن التزام المحامي تجاه موكله هو التزام بتوكيل، فالمحامي بصفته وكيل خصام، مسؤول إزاء موكله عن كل إخلال بالواجبات المفروضة عليه، بصرف النظر عن تكييف ذلكم الالتزام بالآثار المترتبة عن إخلال المحامي بواجباته يمكن أن تسري عليها أحكام المسؤولية العقدية، كما يمكن أن تنطوي في إطار المسؤولية التقصيرية.


الفقرة الثانية: المسؤولية التأديبية للمحامي

بمجرد الوقوف عند المادة[6] 61 من القانون 28.08، المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، نجد أن المشرع المغربي كان صريحا في إسقاط عقوبات تأديبية على كل محام يخالف النصوص والقواعد التنظيمية المنصوص عليها، وتجدر الإشارة إلى أن صفة محام هنا يعني بها المحامي الرسمي والمحامي المتمرن وكذا المحامي الشرفي[7]، ومن خلال خذه الفقرة سنحاول الوقوف عند المخالفات التأديبية (أولا)، على أن نتعرض للمسطرة التأديبية (ثانيا).

أولا: المخالفات التأديبية

من المخالفات التي قد يرتكبها المحامي ما يمس بالمهنة أو القضاء، أو خروقات مرتكبة تجاه النقيب أو موكله .... حيث إنها تتخذ أشكالا وصورا متعددة يصعب حصرها يمكننا أن نذكر من بينها على سبيل المثال تقاعسه عن رفع الدعوى أو تقديم الطعون داخل الآجال القانونية أو السهو في عدم تقديم بعض الأدلة حسب المادة [8]47, لأن في ذلك مساس بالمهنة وكرامتها. وتكون المخالفة التأديبية قائمة حتى ولو كان المحامي حسن النية، ذلك لأن مبادئ المهنة توجب عليه مراعاتها في أي عمل من أعمال مهنته وهكذا فاقتصار المحامي على الاحتفاظ بالمبلغ دون سلوك أي مسطرة من أجل الإيداع بصندوق المحكمة، أو من أجل إرجاعه إلى صاحبه لتعذر التنفيذ تجعل المخالفة المهنية ثابتة في حقه.

وكما هو معلوم أن المحامي ملزم بالاحترام لمهنته فقيامه بزيارة موكله في مقره تجعل المخالفة التأديبية قائمة في حقه، اللهم إن كانت هناك ظروف استثنائية تستوجب ذلك وبإذن من النقيب وذلك وفق ما جاءت به المادة 42 [9]في فقرتها الأخيرة.

وكما هو معلوم ضمن أعراف مهنة المحاماة فتأدية القسم المنصوص عليه في المادة 12 من القانون المذكور سلفا، يجعل من المحامي مسؤول بصفة مطلقة عن كل إخلال بالاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي ينتمي إليها، وعدم الحفاظ على السر المهني ومخالفة القوانين والأنظمة والأخلاق العامة تجعله لا محال يواجه مخالفة تأديبية.

أيضا إذا قام المحامي بتوجيه إهانات للهيئة القضائية عامة، وإلى المحكمة خاصة تجعل المخالفة التأديبية ثابتة في حقه، ويحق لمجلس الهيئة متابعته تأديبيا، ولهيئة المحكمة زجريا. فالمحامي ملزم بالوقار والاحترام أمام هيئة المحكمة، بحيث أن دخوله لقاعة الجلسات وهو غير مرتد لبدلته يكون بذلك قد ارتكب مخالفة للنصوص القانونية وقواعد المهنة[10]. كما أن المحامي في إطار ممارسته لمهامه إذا كان يقيم خارج دائرة المحكمة المنصب بها، تعين عليه تقديم نفسه لنقيب وأعضاء الهيئة القضائية وإلا يتحمل مسؤولية تأديبية[11].

أما بالنسبة لعلاقة المحامي مع زملائه فنقول إن المحامي ارتكب مخالفة تأديبية، إذا ترك قاعة الجلسة دون عذر قاهر، خصوصا إذا كانت المرافعات متعددة في نفس القضية واستعمال عبارات مسيئة في حق زميله، حيث تقتضي أعراف المهنة وقواعد الزمالة احترام الزملاء فيما بينهم[12].

ولا تقف هنا المخالفات التأديبية للمحامي بل تتجاوز ذلك لتصل لحياته الشخصية، فالمخالفات التي يرتكبها المحامي خارج النطاق المهني تعرضه للتأديب كالأفعال المخلة بالشرف والمروءة، وتردده على أماكن عمومية في وضعية تنافي وكرامة المهنة والعلة هنا أن الأخلاقيات ليست حبيسة المهنة، وأن الاستقامة في الحياة المهنية لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستقامة في الحياة الخاصة.

وما هذه إلا بعض من المخالفات التأديبية التي قد يرتكبها المحامي أثناء مزاولته لمهنته.

ثانيا: المسطرة التأديبية

يجب أن نعلم أن العقوبة التأديبية يكون الأساس والغاية منها حماية المهنة، بينما القوانين الزجرية تهدف إلى إيقاع عقاب على جريمة ثابتة الأركان ومحددة الزمان والمكان. إذن التأديب يرمي إلى المحافظة على التوازن لتكون مزاولة المهنة تتسم بطابع الانضباط وباختلاف مفهوم التأديب تختلف المسطرة والمبدأ العام أي مسطرة التأديب لا تخضع تضع للمقتضيات الشكلية المنصوص عليها في الدعوتين المدنية والزجرية ولكل مسطرة تأديبية خصوصياتها حسب المهنة، والقوانين المطبقة عليها بحيث لا تفرض فيها أشكال معينة ، إلا ما حدده القانون، وبالنسبة لمسطرة التأديب في قانون المحاماة فإن المشرع حدد لها مسطرة شكلية قريبة من الإجراءات القضائية المتبعة من طرف المحاكم[13] فالعضو المقرر يقوم بإجراء التحقيق في التهمة الموجهة إلى المحامي وله في ذلك كامل الصلاحية لجمع الأدلة الممكنة ، كما يمكنه الاستماع إلى المحامي المتابع والشخص المتضرر عند الاقتضاء والى كل الأشخاص الذين يظهر له انه من المفيد الاطلاع على أراءهم ، بما في ذلك الزملاء المحامون أنفسهم ويستمع المحقق إلى كافة الأطراف ، في محضر توقع صفحاته ويوقع على كل صفحة منه من المستمع إليهم ، ويبلغ المحامي المشتكى به بكل محاضر استماع المشتكي والشهود حيث يتسنى له الرد في الوقت المناسب ، مع إعطاء الفرصة كاملة إعمالا لمبدأ التواجهية في التواجه مع الأشخاص المستمع إليهم[14].

 وعندما يعتبر المقرر القضية جاهزة يقدم إلى المجلس التأديبي تقريرا يتضمن بالإضافة إلى وقائع القضية ووسائل الإثبات فيها استنتاجاته الشخصية. وعلى ضوء هذا التقرير يتولى المجلس تكييف الوقائع، ثم يصدر امرأ بالاستدعاء يتضمن ملخصا للوقائع، والنصوص القانونية والتنظيمية والقواعد المهنية موضوع المتابعة ويعين يوم وساعة انعقاد المجلس التأديبي[15].

ويبلغ الأمر بالاستدعاء إلى المحامي المتابع قبل 15 يوما على الأقل من تاريخ انعقاد المجلس التأديبي، مع إشعاره باختيار أحد المحامين لمؤازرته وبحقه في الاطلاع داخل الأجل المذكور على جميع وثائق الملف، ويتم تبليغ الاستدعاء بالطرق المنصوص عليها في المادة 93 من قانون 28.08. وتنص المادة 70 على أن المحامي المتابع يحضر شخصيا أمام المجلس للاستماع إليه، لذلك لا يمكن له إنابة أي زميل له لتمثيله أمام المجلس، ويتعين عليه المثول أمامه، وإذا لم يستجيب للأمر بالاستدعاء الموجه إليه، بث المجلس في المتابعة بمقرر يعتبر حضوريا ويمكن الاستعانة عند الاقتضاء بمن يراه من المحامين لمؤازرته وفي التاريخ المحدد، يستمع المجلس التأديبي في جلسة سرية إلى المحامي المتابع الذي يكون مرتديا للبذلة المهنية، وله أن يقدم دفاعه كتابة أو مشافهة كما يمكنه عرض كل الأدلة التي يراها مفيدة في القضية، وللمجلس أن يطلب منه توضيح كل الملابسات والإجابة عن كل الأسئلة مع العلم أنه يكون أخر من يتكلم في الجلسة كما هو الحال في القضايا الجنائية[16].

وعلى المجلس أن يتداول في كل الدفوع والطلبات المثارة من طرف المحامي المتابع أو دفاعه وتجري المداولة من طرف أعضاء المجلس بحسب ترتيبهم بالجدول ابتداء بأخر مسجل بالجدول ثم النقباء السابقون وانتهاءا بالنقيب، وذلك حتى لا يتأثر الأعضاء الجدد بآراء القدامى، ولا يشارك النقيب في التصويت إلا إذا تساوت الأصوات[17]و على المجلس أن يقتصر في مداولته على المخالفات المنصوص عليها في الاستدعاء وتدون كل إجراءات مسطرة التأديب بمحضر خاص يوقعه النقيب وكاتب الهيئة ويضم إلى الملف التأديبي أما القرار فيصدره المجلس بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين ويعتبر صوت النقيب مرجحا في حالة تساوي الأصوات ويبث المجلس في أجل لا يتعدى ستة أشهر من تاريخ إحالة الملف عليه أو من تاريخ وضع اليد من طرف المجلس وعند عدم بث المجلس، داخل هذا الأجل يعتبر موقفه بمثابة مقرر ضمني بعدم مؤاخذة المحامي المتابع ويبلغ المقرر التأديبي داخل 15 يوما من صدوره إلى المحامي والى الوكيل العام للملك ويشعر به المش

 

 

      الخاتمة:

      بناء على ما سبق عرضه وتحليله، يتضح أن المحامي وإن كان يتمتع بقسط وافر من الاستقلالية في ممارسة مهنته باعتباره شريكا للقضاء وليس مجرد وكيل عن الخصوم، فإنه يبقى مع ذلك خاضعا لمنظومة مزدوجة من المساءلة تكفل الحفاظ على التوازن بين حرية المهنة وضمان حقوق المتقاضين وهيبة القضاء.

      فمن حيث المسؤولية المدنية، تبين أن الفقه والقضاء لا يزالان مختلفين حول تكييف طبيعة العلاقة الرابطة بين المحامي وموكله، بين اتجاه يرى فيها علاقة عقدية أساسها عقد الوكالة، واتجاه آخر يميل إلى تغليب الطابع التقصيري نظرا لما يكتسيه هذا العقد من صبغة النظام العام، في حين ذهب اتجاه ثالث إلى القول بازدواجية هذه المسؤولية بحسب طبيعة الالتزام المخل به. وقد استقر التوجه الغالب على اعتبار التزام المحامي التزاما ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة، وهو ما يجعل قيام مسؤوليته المدنية رهينا بإثبات الخطأ المهني والضرر والعلاقة السببية بينهما.

أما من حيث المسؤولية التأديبية، فقد اتضح أن المشرع المغربي وضع مسطرة تأديبية خاصة قريبة من الإجراءات القضائية، تكفل للمحامي المتابع ضمانات الدفاع والمواجهة، وذلك حماية للمهنة وصونا لكرامتها، دون أن يكون الهدف منها الزجر بالمعنى الجنائي، بل الحفاظ على انضباط المهنة وتقاليدها وأعرافها التي تمتد آثارها أحيانا إلى الحياة الخاصة للمحامي.

وعليه، يمكن القول إجابة عن الإشكالية المطروحة، إن المشرع المغربي قد نجح إلى حد بعيد في إرساء توازن نسبي بين حماية استقلالية المحامي وضمان مساءلته الفعلية، غير أن هذا التوازن يبقى منقوصا في بعض جوانبه، ويتجلى ذلك في:

·       غموض معيار التمييز أحيانا بين الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق نتيجة في بعض الأعمال التي يقوم بها المحامي.

·       عدم تحديد المشرع لمدة تقادم خاصة بدعوى مسؤولية المحامي، مما يفتح الباب أمام الاجتهاد القضائي والتضارب في التطبيق.

·       اتساع دائرة المخالفات التأديبية وعدم حصرها بشكل دقيق، مما يفسح المجال لسلطة تقديرية واسعة لمجالس الهيئات.

·       إمكانية ازدواجية المتابعة (مدنية وتأديبية وأحيانا جنائية) عن الفعل الواحد، وما قد يثيره ذلك من إشكالات على مستوى حجية الأحكام وتداخل الاختصاصات.

·       وفي ضوء ذلك، يمكن اقتراح جملة من التوصيات:

·       ضرورة تدخل تشريعي لتحديد معايير أدق للتمييز بين الالتزامات المهنية للمحامي.

·       توحيد مدة التقادم الخاصة بدعوى مسؤولية المحامي تفاديا للاجتهادات القضائية المتضاربة.

·       تحيين النصوص المنظمة للمخالفات التأديبية بما يواكب مستجدات المهنة والتحول الرقمي.

·       تعزيز دور التكوين المستمر والأخلاقيات المهنية كآلية وقائية تحد من تفعيل المسؤوليتين المدنية والتأديبية.

 



[1] ظهير شريف رقم 162.93.1 الصادر بتاريخ 22 ربيع الأول الموافق 10 شتنبر 1993 المعتبر بمثابة قانون 57 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4222 بتاريخ 12 ربيع الثاني 1414 الموافق 1993/9/29

[2] قرار محكمة الاستئناف بمراكش صادر بتاريخ 1991/01/23 في الملف عدد 1990/3258

[3] محمد أو غريس التعاقد بطريق النيابة في ضوء التشريع المدني المغربي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء 1980.

[4] تحدد الأتعاب باتفاق بين المحامي وموكله عن كل قضية، بما في ذلك المبلغ المسبق منها.

يمكن للمحامي أن يطلب تسبيقا جديدا أثناء سير الدعوى، أو بمناسبة أي إجراء اقتضته المسطرة وفي هذه الحالة يوافي موكله ببيان عن مصاريف الدعوى.

[5] ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913)

[6] يعاقب تأديبيا، المحامي الذي يرتكب مخالفة للنصوص القانونية، أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو إخلالا بالمروءة والشرف، ولو تعلق الأمر بأعمال خارجة عن النطاق المهني.

[7] المحامي الشرقي هو المحامي الذي أسندت له تلك الصفة تقديرا لخدمته.

[8] الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون 28.08

[9] "لا يسوغ له في نطاق نشاطه المهني، أن يتوجه إلى مقر موكله، إلا إذا حتمت ذلك ظروف استثنائية، شريطة إشعار النقيب مسبقا بالأمر، والتقيد بمراعاة مقتضيات وأخلاق المهنة."

[10] المادة 37: لا يحق للمحامي أن يمثل أمام الهيات القضائية والتأديبية إلا إذا كان مرتديا بذلة المحاماة.

[11] المادة 38 ... يجب عليه عند الترافع أمام محكمة خارج الدائرة المذكورة، أن يقدم نفسه إلى نقيب الهيئة أو من يمثله، وإلى كل من رئيس الجلسة، وممثل النيابة العامة بها، والمحامي الذي يرافع عن الطرف الآخر.

[12] المادة 27 من النظام الداخلي لهيئة المحامين لدى محكمتي الاستئناف بأكادير والعيون: التعامل بين الزملاء: يمنع على المحامي أثناء الجلسة أو بمناسبة استشاراته أو أثناء الإجراءات أو من خلال المراسلات أو المذكرات أن يتهجم على شخص زميله أو يقوم تجاهه بأي تلميح أو تجريح من شأنه المساس به، أو التقليل من شأنه.

[13] عبد الصمد بلمير، الناديب في قانون المحاماة، الجزء الأول الطبعة 2008، د.م ص 105

 

20

[14] عبد الواحد جعفر، قواعد مهنة المحاماة، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى,1999 ص24

[15] المادة68 من قانون 28.08

[16] الحمزاوي مرحى، مسؤولية المحامي في التشريع المغربي مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، ص 139

[17] المادة 70 من قانون 28.08

المسؤولية المدنية والتأديبية للمحامي

المهن القانونية والقضائية

Comments
No comments
Post a Comment
    NameEmailMessage